الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
94
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
بما يكتسبونه . و ثُمَّ للتراخي الحقيقي والرتبي ، أي وبعد ذلك تكون تلك الأموال التي ينفقونها حسرة عليهم ، والحسرة شدة الندامة والتلهف على ما فات ، وأسندت الحسرة إلى الأموال لأنها سبب الحسرة بإنفاقها . ثم إن الإخبار عنها بنفس الحسرة مبالغة مثل الإخبار بالمصادر ، لأن الأموال سبب التحسر لا سبب الحسرة نفسها . وهذا إنذار بأنهم لا يحصلون من إنفاقهم على طائل فيما أنفقوا لأجله ، لأن المنفق إنما يتحسر ويندم إذا لم يحصل له المقصود من إنفاقه . ومعنى ذلك أنهم ينفقون ليغلبوا فلا يغلبون ، فقد أنفقوا بعد ذلك على الجيش يوم أحد : استأجر أبو سفيان ألفين من الأحابيش لقتال المسلمين يوم أحد . والأحابيش : فرق من كنانة تجمعت من أفذاذ شتى وحالفوا قريشا وسكنوا حول مكة سمّوا أحابيش جمع أحبوش وهو الجماعة أي الجماعات فكان ما أحرزوه من النصر كفاء لنصر يوم بدر ، بل كان نصر يوم بدر أعظم . ولذلك اقتنع أبو سفيان يوم أحد أن يقول « يوم بيوم بدر والحرب سجال » وكان يحسب أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قد قتل وأن أبا بكر وعمر قتلا فخاب في حسابه ، ثم أنفقوا على الأحزاب حين هاجموا المدينة ثم انصرفوا بلا طائل ، فكان إنفاقهم حسرة عليهم . وقوله : ثُمَّ يُغْلَبُونَ ارتقاء في الإنذار بخيبتهم وخذلانهم ، فإنهم بعد أن لم يحصلوا من إنفاقهم على طائل توعدوا بأنهم سيغلبهم المسلمون بعد أن غلبوهم أيضا يوم بدر ، وهو إنذار لهم بغلب فتح مكة وانقطاع دابر أمرهم ، وهذا كالإنذار في قوله : قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ [ آل عمران : 12 ] وإسناد الفعل إلى المجهول لكون فاعل الفعل معلوما بالسياق فإن أهل مكة ما كانوا يقاتلون غير المسلمين وكانت مكة لقاحا . و ثُمَّ للتراخي الحقيقي والرتبي مثل التي قبلها . وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ . كان مقتضى الظاهر أن يقال وإلى جهنم يحشرون كما قال في الآية الأخرى : قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ [ آل عمران : 12 ] فعدل عن الإضمار هنا إلى الإظهار تخريجا على خلاف مقتضى الظاهر ، للإفصاح عن التشنيع بهم في هذا